الحمدُ للهِ العليمِ الحكيمِ، ذي الفضلِ العظيم، الذي خصَّنا بحبيبِه الكريم، الرؤوفِ الرحيم، الهادي إلى الصراطِ المستقيم، وجعلَنا به خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس 

لك الحمدُ يا ربَّ الناس، قَوِّ لنا الأساسَ في الإقبالِ عليك، في استقبالِ فائضاتِ جودِك علينا، بمفاتيحِ ما أوحيتَ إلى حبيبِك المصطفى، فبلَّغَنا عنك، فحَفِظَتْ بلاغَهُ قلوبٌ وأرواحٌ وأسرار، وتواصلتْ بعدَها في هذا الحفظِ قلوبٌ وأرواحٌ وأسرار، وهكذا على مدى الأعصار

حفظ الله لدينه وإبطال كيد المفسدين

وكلَّما أوقدَ أهلُ الشركِ والشكِّ والكفرِ والفسادِ في الأرضِ ناراً؛ أطفأَتها قدرتُك وغيرتُك على حبيبِك محمدٍ ﷺ، وكان حالُهم كما قلتَ في كتابِك: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، يسعَون في الأرضِ فساداً بمختلفِ البرامجِ والعروضاتِ والوسائل، ولكن: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّالْمُفْسِدِينَ)

وإذا كان لا يحبُّهم؛ فمَنْ يسعَون في الأرضِ صالحين مُصلحين يحبُّهم، أفينتصِرُ مَنْ لا يحبُّهم على مَنْ يحبُّهم؟ أفيغلبُ مَنْ لا يحبُّهم مَنْ هو يحبُّهم؟ لا والله! ولا يكونُ ذلك، ولكن في أسرارِ: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، و(يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)

العناية الربانية بأهل الدعوة

يدُ العنايةِ الربانيةِ تختارُ مَنْ يصدُقُ ويقومُ بالحق، وحالُهم ما قال سبحانه في كتابِه: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)، في تبعيةٍ للمصطفى ﷺ كاملةٍ تامة، يدعون إلى الله: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، على بصيرةٍ أنا ومَنِ اتَّبعني صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ونِعْمَ البصيرة! (وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ولم يزل ذلك الأمرُ في قلوبٍ وأرواحٍ وأسرار، ووِجهتُنا إلى فاطرِ السماواتِ والأرض، الإلهِ الغفار

صلاح القلوب والأرواح والأسرار

مَنْ في مجمعِنا ومَنْ يسمعُنا؛ انظر إلى قلوبِهم وألحِقها بتلك القلوب، انظر إلى أرواحِهم وألحِقها بتلك الأرواح، انظر إلى أسرارِهم وألحِقها بتلك الأسرار 

وكلُّ قلبٍ أَذِنَ الرحمنُ أن يلحقَ بتلك القلوب؛ امتلأَ من نورِ المعرفةِ الخاصة، وكلُّ روحٍ أَذِنَ اللهُ أن تلتحقَ بتلك الأرواح؛ امتلأَت بأنوارِ المحبةِ الخالصة، وكلُّ سرٍّ أَذِنَ اللهُ أن يلتحقَ بتلك الأسرار؛ امتلأَ بأنوارِ الشهودِ الأكمل، و (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) 

يا ربِّ أكرِم هذه القلوبَ، وألحِقها بتلك القلوب، يا ربنا أكرِم هذه الأرواحَ، وألحِقها بتلك الأرواح، يا ربِّ أكرِم هذه الأسرارَ، وألحِقها بتلك الأسرار؛ حتى نحيا على الإيمان، واليقين، والمعرفةِ الخاصة، والمحبةِ الخالصة، والشهودِ الأكمل، ومشاهدةِ أهلِ عينِ اليقينِ وحقِّ اليقين، برحمتِك يا أرحمَ الراحمين

من عجائب أرباب الاتصال بالله

الذين ما وقفوا عند صورة، ولا عند مظهر، ولا عند اغترار، ولا عند هوى، ولا عند نفس، وتركوا الجميعَ من أجلِك، وقصدوك بالإخلاصِ والإنابةِ والخشيةِ والتواضعِ واليقينِ التام، ففتحتَ لهم من أبوابِ الجودِ والإكرامِ ما لا يأتي على تفصيلِه كلامٌ لجميعِ المتكلمينَ من الأنام، فإنك أبيتَ أن يحيطَ بما تؤتيهم وبما خبأتَ لهم نفسٌ من النفوس، فقلتَ يا مَلِكُ يا قُدُّوسُ في كتابِك المُنزَل على خيرِ مَنْ زكَّى النفوس: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

وهؤلاء إن سبَّهُم سابٌّ أو آذاهم مؤذٍ، فقد فتحَ لهم من عجائبِ جودِ الوهابِ ما لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ، فتحوَّلَ مَنْ يُعاديهم ومَنْ يؤذيهم ومَنْ يسبُّهم إلى عناصرِ فتحِ أبوابِ الجودِ الواسعِ عليهم، والرفعة لدرجاتِهم. وإذا بالوجودِ ومَنْ فيه مسخَّرةٌ لأربابِ الاتصالِ بربِّ الوجودِ ومالكِ الوجود، وخالقِ هذه الموجوداتِ وحدَه لا شريكَ له، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه

إدراك معرفة الله ومحبته الخالصة

ونظرةٌ من نظراتِه يدركُ بها القلبُ ذرةً من معرفتِه؛ فيغيبُ بها عمَّا سواه، وأما شؤونُ محبتِه فلها في القلبِ وَلَعٌ ونارٌ لا يطفئُها إلا لقاءُ الرحمنِ والنظرُ إلى وجهِه الكريم، ولا تزال تلك الأنوارُ المُتّقدة من نارِ المحبةِ الخالصةِ للربِّ جلَّ جلالُه محلَّ نظرِ هذا الإله، وسببَ بسطِه لجودِه وعطاياه جلَّ جلالُه، حتى يقولَ عن المسيءِ الحاضرِ معهم لأعدادٍ من الملائكةِ من الملأِ الأعلى: “وله قد غفرتُ، هم القومُ لا يشقى بهم جليسُهم” 

هذا جودُه بواسطتِهم في الدنيا، وهو لا يقلُّ عن جودِه بواسطتِهم في البرزخِ ولا في القيامة، جلَّ جلالُه وتعالى في علاه

سر الاتصال بأهل الله

وهكذا يضربُ لنا ﷺ أعظمَ الأمثال، حتى يضربَ لنا فيمن رحِمَ حيواناً وخدمَه أن ينالَ المغفرةَ في يومِ القيامةِ بسببِه، فكيف وكيف بمن اتصلَ بالإنسانِ من أجلِ الله؟ فكيف بمن اتصلَ بخيارِ الناسِ من أجلِ الله؟ فكيف بمن خدمَ أهلَ حضرةِ الرحمنِ؟! جلَّ جلالُه وتعالى في علاه

وقد كان تحدَّثَ ﷺ عن سرِّ هذا الاتصالِ والإفضالِ مِن حضرةِ ذي الإفضالِ جلَّ جلالُه، وقال: “أنتَ مع مَنْ أحببت”، “المرءُ مع مَنْ أحب” 

ولما أدركَ الصحابةُ عُمقَ ما في الكلمةِ من معنى؛ طرِبت أرواحُهم، وقالوا: ما فرِحنا بعد الإسلامِ بفرحٍ أعظمَ من فرحِنا بهذا الحديث. وكان سيدُنا أنسٌ إذا ذكرَه قال: “وأنا أحبُّ رسولَ اللهِ وأبا بكرٍ وعمر، وأرجو بحُبِّي إياهم أن يحشرَني اللهُ معهم يومَ القيامة”. أنتَ مع مَنْ أحببت

الدعاء بصدق المحبة

يا ربَّنا ارزُقنا خصائصَ المعرفة، وخالصَ المحبة، حتى لا يبقى في قلوبِنا ذرة من محبةِ غيرِك، فلا نحبُّ إلا لك ومن أجلِك، فلا يكونُ في قلوبِنا شيءٌ من كائناتِك ومخلوقاتِك أحبَّ إلينا من عبدِك المختارِ محمدٍ ﷺ، ونحيا ونموتُ؛ أنتَ وهذا الرسولُ أحبُّ إلينا ممَّا سواكما، ثم نحبُّ مَنْ أحببتَ على الميزانِ الذي أحببتَ وأردتَ من أنبيائِك وملائكتِك والمقربينَ من عبادِك الصالحين، مَنْ علِمنا منهم وما لم نعلم؛ من أجلِك وَدِدناهم، ومن أجلِك وادَدناهم، ومن أجلِك أحببناهم، فاجعلنا يا ربِّ في أهلِ الصدقِ في محبتِك ومحبةِ مَنْ يحبُّك 

وسيدُهم في محرابِ العبوديةِ يعلِّمُنا ويقولُ وهو يدعوك: “اللهم إني أسألُك حبَّك، وحبَّ مَنْ يحبُّك، وحبَّ عملٍ يقرِّبُني إلى حبِّك” صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، يا ربِّ نسألُك حبَّك وحبَّ مَنْ يحبُّك وحبَّ عملٍ يُقرِّبُنا إلى حبِّك

ويا جامعَ هذا الشملِ لأعدادٍ من أمةِ سيدِ أهلِ الفضلِ خاتمِ الرسل؛ على الوجهة إليك من أسرارِ ما وُرِثَ عنه، حقِّقهم بحقائقِ المتابعةِ له حتى ينالون من محبّتِك المزيةَ والخصوصية، وحتى يرَونه ويجتمعون به في يومِ القيامةِ وفي دارِ الكرامة، بحَقِّه عليك لا خَلَّفْتَ أحداً منا، ولا من أهلِ مجمعِنا، ولا مَنْ يسمعُنا، ولا مَنْ في ديارِهم ولا أهاليهم يا أكرمَ الأكرمين

التوجه إلى الله بهداية الأمة

وما وعدتَه به من نشرِ دينِه في الآفاق؛ أرِنا ذلك وأشهِدنا ذلك، وعجِّل بهدايةِ كثيرٍ من خلقِك يا حيُّ يا قيوم، عصاةٍ من المسلمينَ ومبتدعينَ ومفسدينَ من المسلمين، ربَّنا كلُّ مَنْ لم تسبِق عليه الشقاوةُ منهم عَجِّل بهدايتِه إليك، مَنْ سبقَت عليه الشقاوةُ فكُفَّ شرَّه وضرَّه عن المسلمين، كُفَّ شرَّه وضرَّه عن المسلمين، كُفَّ شرَّه وضرَّه عن المسلمين

وكثيرٌ ممن لم يُسلِم بعد؛ نسألُك لهم هداية، نسألُك لهم نوراً، نسألُك لهم إرشاداً، نسألُك لهم إخراجاً من ظُلماتِ الكفرِ إلى نورِ الإسلام، من حظائرِ الشركِ إلى محافلِ التوحيدِ يا حيُّ يا قيوم، نوِّر بنورِ “لا إله إلا الله” قلوبَ كثيرٍ من عبادِك لم يُسلِموا بعد، اكتب ذلك في ليلتِنا، وأرِنا منهم مَنْ يشهدُ مَنْ نشهدُ ويَفِدُ إلى بلدتِنا يا أكرمَ الأكرمين، 

واجمع شملَ هذه الأمةِ وألِّف ذاتَ بينِهم، وبارِك في جمعِنا بركة تجمعُ لنا بها خيراتِ مجامعِ الأولينَ والآخِرينَ من عبادِك الصالحينَ وحزبِك المفلحينَ يا الله، وتنشرُ بذلك راياتٍ عظيمةَ القدرِ في يومِ الميقاتِ، يا ربَّ الأرضين والسماوت

تطهير القلوب والأرواح

انظر إلى كلِّ قلبٍ منا وما فيه من عيوب، ومن غفلة، ومن زلل، ومن شك، ومن وهم؛ زحزِحه عنه وأزِله عنه، واملأ واحْشُ هذه القلوبَ بأنوارِ الإيمانِ الخالص، واليقينِ التام، والصدقِ معك، والإخلاصِ لوجهك، حتى تقسِمَ لنا بالنصيبِ الوافي من معرفتِك يا الله

وهذه الأرواحُ محطُّ المحبة، ومعدنُ المحبة، ومحلُّ المحبة، وأصلُ المحبة؛ خُذ بها إليك، لا تبتلِها بحُبٍّ قاطعٍ عنك ولا صادٍّ عن سبيلِك ولا بشيءٍ لا تحبُّه.. يا الله، بأسمائِك وذاتِك وصفاتِك، لا تجعل في أرواحِنا محبة إلا مَنْ تحبُّ وما تحب، ونزِّهها عن أن تحبَّ مَنْ لا تحب، أو أن تودَّ مَنْ لا تود، أو أن لا تُحبَّ مَنْ تحب، نزِّهها عن ذلك، ارزُقها محبةَ مَنْ تحبُّ لك ومن أجلِك يا الله، لك ومن أجلِك يا الله، يا الله، يا الله

التزاور في الله ومقام الإحسان

ولقد جاءنا في الحديثِ أنه عندما يتزاورُ المتزاورونَ في الله، يتجلَّى عليهم ربُّ العرشِ ويقول: “فيَّ تزاوروا، وفيَّ تجالسوا؛ غفرتُ لهم”، وتقولُ الملائكة: “يا ربِّ هذا العبدُ فيك واصَل، وفيك زار، فصِلهُ فصِلهُ”، هكذا صحَّت الأحاديثُ عن المُنزَّهِ عن كلِّ خبيث، صاحبِ السعيِ الحثيثِ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، حبيبِ ربِّ العالمينَ وخاتمِ النبيين، ارزُقنا حسنَ اتِّباعِه يا الله

والأسرارُ من وراءِ ذلك؛ صَفِّها عن الأقذارِ ونزِّهها عن الأغيار، وارزُقها شهودَك حتى نقومَ في مقامِ الإحسانِ راسخينَ مُثَبَّتين، نعبدُك كأننا نراك، نعبدُك كأننا نراك، نُصلي لك كأننا نراك، نقرأُ كتابَك كأننا نراك، نحضرُ مجالسَ العلمِ والذكرِ كأننا نراك، نُصلّي على نبيِّك كأننا نراك، نتصدّقُ كأننا نراك، نصومُ لك كأننا نراك، نصدُقُ في الحديثِ ونتنزّهُ عن المعاصي كأننا نراك، وارفَعنا في مراتبِ رضاك

يا الله رضا يا الله رضا ** والعفو عمّا قد مضى
 يا الله رضا يا الله رضا ** يا الله بتوبة والقبول
برحمتك يا أرحم الراحمين، وجودك يا أجود الأجودين 
الله الله يا الله لنا بالقبول

المحاضرة للحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ