بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والا

أما بعد فقد لقيني طيار قادم من بلاد إفريقيا عند زيارته لموطن أسلافه تريم الغناء المدبوغة بأقدام الأكابر، وبث لي تأثره بمذهب الإمامية الجعفرية هو وكثير من أقاربه إن لم يكن كلهم، وأبدى رغبته في إزاحة كثير من الإشكالات والشبهات التي في ذهنه تجاه مذهب أهل السنة والجماعة، فطلبت منه أن يستمع مني إلى عرض موجز وميسر لمقارنة بين مذهب أهل السنة والجماعة وبين مذهب الإمامية الجعفرية.
فقبل مني ذلك فقلت له

1) إن عقيدة مذهب أهل السنة في حق الله عز وجل تتلخص في قول أئمتهم: نؤمن بالله وبما جاء عن الله على مراد الله ونؤمن برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، وفي وصف المولى إعتقاد إتصافه عز وجل بجميع الكمالات وتنـزهه عن جميع النقائص . وعقيدة الإمامية تتفق معنا في أغلب ذلك لولا بعض مظاهر النقص في اعتقاداتهم كقولهم بتفضيل أئمة أهل البيت على من سوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأنبياء والمرسلين

2) إن الإسلام في مذهب أهل السنة والجماعة دين شامل لكافة أحوال المجتمع وشؤونه ودعاة هذا المذهب قائمون ببيان مزاياه ومحاسنه التي لم تترك بابا من أبواب النفع للمجتمعات إلا ووفته وبهرت من يقف عليه، لكنه بنظر إخواننا الإمامية يكاد ينحصر الكلام فيه على قضايا محصورة كالإمامة والعصمة واغتصاب الخلافة … الخ واجترار الكلام حول الفترة التاريخية من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحتى استشهاد الإمام الحسين حيث يعطى لمأساة استشهاده الشريف بكربلاء من المساحة والاهتمام ما جعل جموعهم ومجالسهم في حسينيات لا في مساجد، وما أوجد في فكرهم وهمهم من أبعاد هذه الحادثة ما لم يترك مجالا لحوادث غيره من أهل البيت فضلا عن مواقف سيرة الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما أن الناظر أيضا يلاحظ جوانب الكبت والقلق والحزن والأسى الذي يسيطر على الكثير من مجالسهم حيث تختم بتلك الحادثة والبكاء، فضلا عما يعرف عندهم باللطميات حيث يجتمعون في إنشادهم لتلك الحادثة بلطم صدورهم كبارا وصغارا بأيديهم وأحيانا بسلاسل حديدية ظنا منهم أن ذلك يرضي الإمام الحسين بن علي عليه السلام وهو بلا شك مما يكرهه هو وكافة أهل البيت. وفي المقابل فإن أهل السنة يتفاءلون في مجالسهم ويعمرون مناسباتهم ومجالس إنشادهم بمدح النبي وأهل البيت والصحب الأكرمين ويتذكرون مناسبات الفرح من الولادة والهجرة والإسراء ونصر بدر ونحوها لا حادثة الوفاة رغم أنها في يوم الولادة، لأن الإسلام يحب التفاؤل ويكره التشاؤم ولأن الحبيب سن لنا الاعتناء بحادثة الولادة والهجرة وبين السبب في اعتنائه بعاشوراء وتخصيصه وهو انتصار موسى وهلاك فرعون وأنه صلى الله عليه وآله وسلم أولى بموسى من اليهود ولعل هذا من الأسباب التي حدَّت من عدم سيطرة مظاهر الحزن على عموم أهل السنة في يوم عاشوراء عند تذكر حادثة الاستشهاد الشريف لما صح لديهم من هذا الحديث ونحوه، ولأن ذلك اليوم بالنسبة للحسين يوم أن كلل بتاج سيد الشهداء وذلك لا يعني بوجه من الوجوه تبرير تلك الفعلة الشنيعة على صاحبها ما يستحق. وعموما فالإسلام دين الحب والفرح والأمل والتفاؤل من خلال عرض مذهب أهل السنة، ودين الحزن والمآسي واللطم والبكاء لأجل الحسين وآل البيت من خلال عرض مذهب الإمامية

3) النبي صلى الله عليه وآله وسلم مجمع الكمالات البشرية وأعظم مربٍ عرفته الأرض، ربّى من أكرموا بصحبته ومجالسته (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم …) الخ الآية ولكنه صلوات ربي وسلامه عليه من خلال النظرة الإمامية ابتلي بصحبة أناس لم ينتفعوا بصحبته ولم يتغلغل الإيمان في قلوبهم، فخالفوا أوامره وتكالبوا على الحكم وغلبتهم أهواؤهم ونفوسهم فلم يفلح في تربيتهم حيث ارتد غالبهم بعد وفاته إلا نفرا قليلا ثم يختلفون في تحديد ذلك النفر وينظرون إلى أقرب تلاميذ النبي وأعزهم عليه كأبي بكر وعمر وعثمان نظرة سوء وأنهم قادوا جماهير الصحابة لمخالفة وصية الرسول وتوجيهاته وإيذاء ريحانته وفلذة أكباده وظلمهم وتهديدهم وحرق بيوتهم وإسقاط حمل الزهراء إلى غير ذلك من العجائب والغرائب التي لا تتصور من تلاميذ أصغر مربٍ من أتباع المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه الذي ربى الأمة أجمع ونشر نور الهداية من خلال خيرة صحبه الكثيرة الكاثرة في مشارق الأرض ومغربهم


4) أهل البيت عند أهل السنة هم أقارب الرسول وذويه وعترته وأمهات المؤمنين لا يفرقون بينهم، ولا بينهم وبين أصحابه، متأسين بقول أبي بكر -كما في البخاري- لأن أصل قرابة رسول الله خير من أن أصل قرابتي، فلهم المكانة العليا والإحترام اللائق بهم واعتقاد فضلهم في بث أنوار الهداية جنبا إلى جنب أصحاب المصطفى الذين ضربوا أعظم الأمثلة في التعاون على البر والتقوى ويعرفون هذه المزية لذراريهم ولو شابهم شائب من العمل أو الاعتقاد . أما الإمامية فأهل البيت في نظرهم منحصرين في الأئمة الإثني عشر والزهراء ولا يُدخلون في هذا المفهوم زوجاته أمهات المؤمنين ولا ذراريهم فضلا عن آل عقيل والعباس وجعفر ويعتقدون فيهم العصمة كاعتقادهم إياها في الأنبياء بل في عقيدتهم أنهم أفضل من الأنبياء والرسل باستثناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من مظاهر الغلو الشنيع ويرى بعض علمائهم أن ذراريهم التي تتبع مذاهب أهل السنة أنجس من الكلب فلا يتوانون عن تكفيرهم أحيانا أو تفسيقهم أحايين بما في ذلك أكابرهم كالإمام زيد بن علي وغيره من أئمة الزيدية والإمام المهاجر والعريضي والفقيه المقدم وغيرهم من أئمة آل باعلوي والأئمة الأدارسة في المغرب وقد سبق أوائلهم في التجريح في العباس

وابنه الحبر عبدالله وفي عقيل حتى أنه يصح أن يقال أن مظاهر النصب – عداء أهل البيت- أمر ثابت في عقائد الإمامية ولن تجد شيئا من ذلك عند أهل السنة والجماعة سيما مشرب السادة آل أبي علوي فأهل السنة يرون الإمام علي من أشجع الصحابة إن لم يكن أشجعهم ويتغنون بحمله باب خيبر والإمامية يرون أنه يبايع تقية ويرى زوجته وهي تضرب وتهدد وتجهض أمام عينيه فلا يحرك ساكنا ويعلم أن النبي أوصى إليه بالخلافة ولا يذكر شيئا من ذلك ويبايع فهي صورة باهتة لباب المدينة وأشجع الصحب وأهل السنة يرون الزهراء أم أبيها وريحانته وبضعته وسيدة النساء وسيدة الزاهدات التي لا يحرك باطنها أراضي الأرض كلها لتعلقها بالله ورسوله فما سكَّن روعها في مرض موته إلا بشارته لها بلحوقها ولذلك عاشت بعده حزينة عليه حتى لحقت به والإمامية يرون أنها حزنت وماتت عندما منعت عن إرثها في فدك وأن الغيظ الذي تملكها من أبي بكر هو الذي عجل بوفاتها حاشاها رضوان الله عليها والسنة يرون أن الله هيأ ذراري أهل البيت لتربية الأمة وليكونوا نماذج مجسمة للقرآن ومجلى لمعنى اقترانهم بالقرآن ولذلك تجد معظم الطرق الصوفية تنتهي أسانيدها ومشيختها لذراري أهل البيت والإمامية يرون أن ذرية أهل البيت يناضلون للخلافة والحكم ولاسترجاع الحق المغتصب وأن آخرهم الآن لا يزال في غيبته الكبرى منذ مئات السنين في مكان ما من الأرض سردابا أو غير ذلك فهم ينادونه ويستحثونه للخروج والظهور بعد كل مكتوبة

5) أهل السنة يرون القرآن كلام الله المنـزل ووحيه الشريف الذي تكفل المولى بحفظه بقوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فيكفرون كل من زعم حدوث تحريف في القرآن بزيادة أو نقص والإمامية تنتشر لديهم روايات التحريف التي تنسبه إلى الصحابة في معظم مراجعهم وإن كان معاصروهم يتبرؤون من هذا القول وينفونه إلا أنهم لا يستجيزون الطعن في القائلين بذلك ولا حتى في محمد تقي النوري الذي ألف كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كلام رب الأرباب)
إلى غير ذلك من المقارنات التي لا أريد أن أطيل بذكرها والتي إذا تأملها المنصف علم الصواب من الخطأ وتبينت أمامه المحجة والطريقة السمحة من ذات نفسه وبذوقه الفطري

وبعدها طلبت منه أن يبدي لي ما لديه من الشبهات، فقال لي بعد ما سمعت لا حاجة لتلك الشبهات فقد تبدد غالبها إن لم تكن كلها، وتحقق لدي أن التصور الذي يصلح أن يُدعى به أهل الشرق والغرب إلى الإسلام هو هذا التصور السمح الصافي النقي المنير؛ لا ذلك التصور المظلم النفسي البشري، ووعد بأن يكون له دور في إبداء هذه الحقائق لأقاربه وذويه؛ وودعته وداعا حارا وأسأل الله أن يثبتني وإياه على الحق والهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله عليه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين


إعداد
عبدالقادر بن عبدالله مولى الدويلة